محمد بن جرير الطبري

46

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

وما صرفهم عنهما إلا تأويل ربك إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا فصلوا قبل مطلع الشمس . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا قال : شاسعا متنحيا . وقيل : إنها إنما صارت بمكان يلي مشرق الشمس ، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيرا مما يلي المغرب ، وكذلك ذلك فيما ذكر عند العرب . وقوله : فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً يقول : فاتخذت من دون أهلها سترا يسترها عنهم وعن الناس . وذكر عن ابن عباس ، أنها صارت بمكان يلي المشرق ، لأن الله أظلها بالشمس ، وجعل لها منها حجابا . حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا قال : مكانا أظلتها الشمس أن يراها أحد منهم . وقال غيره في ذلك ما . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً من الجدران . وقوله : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا يقول تعالى ذكره : فأرسلنا إليها حين انتبذت من أهلها مكانا شرقيا ، واتخذت من دونهم حجابا : جبريل . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا قال : أرسل إليها فيما ذكر لنا جبريل . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، عمن لا يتهم ، عن وهب بن منبه ، قال : وجدت عندها جبريل قد مثله الله بشرا سويا . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا قال : جبريل . حدثني محمد بن سهل ، قال : ثنا إسماعيل بن عبد الكريم ، قال : ثني عبد الصمد بن معقل بن أخي وهب ، قال : سمعت وهب بن منبه ، قال : أرسل الله جبريل إلى مريم ، فمثل لها بشرا سويا . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي ، قال : فلما طهرت ، يعني مريم من حيضها ، إذا هي برجل معها ، وهو قوله : فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا يقول تعالى ذكره : فتشبه لها في صورة آدمي سوي الخلق منهم ، يعني في صورة رجل من بني آدم معتدل الخلق . القول في تأويل قوله تعالى : قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قالَ يقول تعالى ذكره : فخافت مريم رسولنا ، إذ تمثل لها بشرا سويا ، وظنته رجلا يريدها على نفسها . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، قوله إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا قال : خشيت أن يكون إنما يريدها على نفسها . حدثنا موسى ، قال : ثنا عمرو ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا فلما رأته فزعت منه وقالت : إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا فقالت : إني أعوذ أيها الرجل بالرحمن منك ، تقول : أستجير بالرحمن منك أن تنال مني ما حرمه عليك إن كنت ذا تقوى له تتقي محارمه ، وتجتنب معاصيه ؛ لأن من كان لله تقيا ، فإنه يجتنب ذلك . ولو وجه ذلك إلى أنها عنت : إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تتقي الله في استجارتي واستعاذتي به منك كان وجها . كما : حدثنا